مقالات

التاريخ الأسود لأمريكا وحلفائها

 

 

بقلم: ناصر السلاموني

 

في هذا المقال الثاني من سلسلة التاريخ الأسود لأمريكا وحلفائها،ووسط تهديد ترامب للجميع نسلّط الضوء على الشريك الأقدم للهيمنة الأمريكية: بريطانيا، الدولة التي لم تكتفِ بالرضا عما ترتكبه واشنطن من جرائم بحق الشعوب، بل وضعت الأسس الفكرية والسياسية والعملية لمنظومة الهيمنة الغربية، وورّثتها للولايات المتحدة كاملة، لتستمر الجرائم نفسها بأدوات جديدة ووجوه مختلفة.

لم تكن الإمبراطورية البريطانية، التي قيل يومًا إنها «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، مشروعًا حضاريًا أو رسالة تمدين كما روّج الخطاب الاستعماري الغربي، بل كانت منظومة احتلال عالمي بُنيت على القهر والنهب المنظَّم. فمنذ أواخر القرن السادس عشر وحتى بدايات القرن العشرين، تمددت بريطانيا عبر القارات بقوة السلاح والاقتصاد، وحوّلت أراضي الشعوب إلى خزائن مفتوحة لثرواتها، بينما تُركت المجتمعات الأصلية فريسة للفقر والتجويع والتهميش.

وكانت الهند، القلب الاقتصادي النابض للإمبراطورية، المثال الأوضح على هذا النموذج الاستعماري. فقد دمّرت بريطانيا الصناعات المحلية عمدًا، وعلى رأسها صناعة النسيج، لفتح الأسواق قسرًا أمام المنتجات البريطانية. وفُرضت ضرائب خانقة، وزراعات إجبارية لا تخدم احتياجات السكان، ما أدى إلى مجاعات متكررة حصدت أرواح الملايين، في الوقت الذي كانت فيه المحاصيل تُصدَّر إلى أوروبا. وعندما طالب الهنود بحقوقهم، واجهتهم آلة القمع البريطانية، وكانت مذبحة أمريتسار عام 1919 شاهدًا صارخًا على طبيعة حكم لا يعرف سوى الرصاص.

ولم يقتصر الدور البريطاني في الهند على القمع الاقتصادي والسياسي، بل امتد إلى هندسة المشهد الاجتماعي والديني. فقد دعمت سلطات الاحتلال صعود حزب المؤتمر الهندي ومنحته الأفضلية السياسية والإدارية، مقابل تهميش القيادات المسلمة وإضعاف تمثيلهم في مؤسسات الحكم، رغم ثقلهم السكاني. ويرى باحثون أن هذا المسار جاء ضمن تفاهمات سياسية مع قيادات بارزة في الحركة الوطنية، استُخدمت فيها شعارات الوحدة والاستقلال لتمرير ترتيبات ضمنت انتقال السلطة إلى نخبة هندوسية، مع ترك المسلمين في موقع الضعف. وبلغت نتائج هذه السياسات ذروتها عند تقسيم الهند، حين اندلعت موجات عنف طائفي غير مسبوقة، قُتل فيها مئات الآلاف من المسلمين، وشُرّد الملايين في واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في القرن العشرين، في نتيجة مباشرة لسياسة «فرّق تسد» البريطانية.

وإذا انتقلنا إلى القارة الإفريقية، نجد أن بريطانيا تعاملت معها باعتبارها مخزنًا مفتوحًا للمواد الخام وسوقًا للعمالة القسرية. فمن كينيا إلى نيجيريا والسودان، مارست القتل والسجن والنفي والتعذيب، وأقامت معسكرات اعتقال جماعية، وفرضت أنظمة عمل قسري، واستنزفت الموارد الزراعية والمعدنية لتغذية المصانع البريطانية، بينما أُبقيت الشعوب الإفريقية في حالة تخلف متعمَّد لضمان استمرار السيطرة.

وكان المثال الأوضح على هذا النهج ما جرى في جنوب إفريقيا، حيث لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في ترسيخ حكم الأقلية البيضاء ونظام الفصل العنصري. فقد دعمت حكومات احتكرت السلطة والثروة، وصادرت أراضي السكان الأصليين، وحرمت الأغلبية السوداء من أبسط حقوقها السياسية والاقتصادية. وسُخّر الأفارقة قسرًا للعمل في مناجم الذهب والماس في ظروف لا إنسانية، واستمر هذا النظام لعقود برعاية سياسية واقتصادية بريطانية، ولم يسقط إلا بعد نضال مرير دفع فيه الشعب الجنوب إفريقي ثمنًا باهظًا من الدم والحرية.

وفي آسيا خارج الهند، كررت بريطانيا النموذج الاستعماري ذاته في ماليزيا وبورما وسيلان، حيث فُرضت زراعات تخدم الاقتصاد البريطاني وحده، وسُخّرت العمالة المحلية، وقُمعت الحركات الوطنية بالقوة العسكرية، دون أي نية حقيقية لبناء دول مستقلة أو مجتمعات متماسكة.

أما في الوطن العربي، الواقع بين قارتي آسيا وإفريقيا، فقد لعبت بريطانيا دور المهندس الرئيسي لتمزيق المنطقة. رسمت حدودًا مصطنعة لا تعكس تاريخًا ولا هوية ولا امتدادًا اجتماعيًا، وفرضت أنظمة انتداب واتفاقيات تقسيم، لمنع أي مشروع وحدوي عربي، وزرعت بؤر توتر دائمة لا تزال المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم.

وفي مصر، لم يكن الاحتلال البريطاني الذي بدأ عام 1882 مجرد وجود عسكري، بل مشروعًا متكاملًا لضرب الحركة الوطنية بقيادة الزعيم أحمد عرابي، بعد هزيمته في معركة التل الكبير بخيانة خديوي مصر آنذاك. سيطرت بريطانيا على قناة السويس، وقمعت الوطنيين، ونفت القيادات، وتحكمت في القرار السياسي والاقتصادي. ولم يتوقف دورها عند حدود الاحتلال المباشر، بل استمر عبر التآمر السياسي، وكان من أبرز ذلك مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر، في محاولة للانتقام من خروجها عن الهيمنة الغربية.

وفي سياق يربط الماضي بالحاضر، أثار مشهد تنصيب الملك تشارلز، ورفع الراية الصفراء التي حملت أسماء الدول التي احتلتها بريطانيا، ومنها مصر، مع وضع أبو الهول تحت التاج البريطاني، استفزازًا بالغًا؛ ليس فقط لافتخارهم بجرائمهم، بل لإشراك الدول التي كانت محتلة في هذا المشهد تحت ذريعة البروتوكول، وكأن الاحتلال صفحة مجد لا وصمة عار في تاريخ الإنسانية.

أما في فلسطين، فكان الدور البريطاني حاسمًا ومشؤومًا، عبر وعد بلفور، وسياسات الانتداب، وفتح أبواب الهجرة اليهودية، وتسليح العصابات الصهيونية، وقمع المقاومة الفلسطينية، تمهيدًا لاغتصاب الأرض وزرع كيان استعماري وظيفي في قلب الوطن العربي.

ومن خلال هذه الخطة القهرية والاستعبادية، تمكّنت بريطانيا من السيطرة على نحو 412 مليون إنسان، أي ما يقارب 23% من سكان العالم عام 1913، وعلى مساحة بلغت ذروتها عام 1920 نحو 35.5 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل ربع اليابسة على الأرض، وهو اتساع لم يتحقق إلا بالقهر وتدمير المجتمعات ونهب الثروات.

وتتجسد الخلاصة المادية لهذا التاريخ الأسود في كميات الذهب الهائلة المخزنة في أقبية بنك إنجلترا، والمقدَّرة بنحو 7500 طن من الذهب الخالص، أي ما يقارب 596 ألف سبيكة، تُقدَّر قيمتها بأكثر من 300 مليار دولار، وهي ثروة لم تكن نتاج ازدهار حضاري، بل حصيلة قرون من الضرائب القسرية ونهب موارد الشعوب المستعمَرة.

ورغم هذا السجل المثقل بالجرائم، لم تُحاسَب بريطانيا محاسبة حقيقية، بل انتقل إرثها الاستعماري إلى حلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ليستمر النظام العالمي الجائر بأدوات جديدة. وبعد كل ما تفعله أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، يصبح الحديث عن منظمات حقوقية أو أمم متحدة مجرد وهم؛ ففي عالم تحكمه القوة، من لا يستطيع حماية نفسه، تلتهمه الكلاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى