الدراما الرمضانية… تنوّع لافت وتألق فني وغيابٌ يُثير التساؤلات

كتبت : أم عبدالوهاب
شهدت الدراما العربية في الموسم الرمضاني تنوّعًا لافتًا، حيث تعددت الأعمال بين السياسية والكوميدية والاجتماعية، إلى جانب الأعمال المقتبسة من روايات كبار الكُتّاب، وأعمال الفانتازيا التي أضفت طابعًا مختلفًا ومثيرًا، عبر حبكات متقنة ومؤثرات درامية جذابة تشدّ انتباه المشاهدين.
ويقف وراء هذا الزخم الفني جهدٌ كبير يبذله صنّاع الدراما كل عام، سعيًا لتقديم أعمال مميزة قادرة على جذب أكبر عدد من المتابعين. ويُعد اختيار الشخصيات والأبطال عنصرًا أساسيًا في نجاح أي عمل، إلى جانب قوة السيناريو وتميّز الأداء التمثيلي، فضلًا عن دور الموسيقى التصويرية في خلق أجواء من الإثارة والتشويق، بما يعزّز من تسويق العمل ويُبرز الصراع الدرامي داخله.
وقد شهدت مسلسلات هذا العام نقلة نوعية واضحة على مستوى الصورة، والأزياء، والديكور، حيث اقتربت في كثير من تفاصيلها من الطابع السينمائي، في ظل سباق قوي نحو التطوير والتجديد.
ويأتي في مقدمة هذه الأعمال مسلسل «المداح» للنجم حمادة هلال، الذي واصل نجاحه عبر مواسمه المتعددة، مقدّمًا شخصية مميزة حظيت بإعجاب الجمهور. وقد جاء الأداء هادئًا متصاعدًا، بعيدًا عن المفاجآت المفتعلة، ما أضفى عمقًا على تطور الشخصية.
فـ«صابر» ليس مجرد شخص يحارب الجن أو الظواهر الخارقة للطبيعة، بل هو نموذج للبطل المختار، أو أسطورة خيالية ذات جذور إيمانية عميقة، ورث إرثًا روحيًا متجذرًا. ومن هنا، يُعد «المداح» عملًا دراميًا يجمع بين التشويق والروحانية، ويطرح فكرة الصحو في مواجهة الشر المطلق، والسعي إلى إصلاحه بطرق متعددة، تصب جميعها في طريق الخير.
كما يطرح المسلسل أفكارًا عميقة تتعلق بالصراع بين الخير والشر، والفتنة، مؤكدًا أن الإيمان قوة، لكنه يحتاج إلى وعيٍ كافٍ لمعرفة سُبل المواجهة. ويمتد الطرح ليشير بشكل ذكي إلى تشابه بعض وسائل الإعلام والخوارزميات مع قوى خفية تراقب الإنسان وتحاول التنبؤ بسلوكه.
وقد جسّد النجم فتحي عبد الوهاب هذه الرؤية من خلال شخصية «سميح الجلاد» بأداء استثنائي يمكن وصفه بـ«السهل الممتنع». فلم يعتمد على الانفعال المبالغ فيه أو الأداء الصاخب، بل اختار أسلوبًا أكثر هدوءًا وعمقًا، معتمدًا على نظراته، ونبرة صوته، وتفاصيله الدقيقة التي كشفت عن صراع داخلي معقّد.
ونجح في إبراز تناقضات الشخصية ببراعة؛ بين القسوة الظاهرة والإنسانية الخفية، وبين السلطة والضعف، ما جعل المشاهد في حالة ترقب وتأمل دائمين. فهذا النوع من الأداء لا يلفت الانتباه بالضجيج، بل يفرض حضوره بثقل فني راقٍ، ليقدّم نموذجًا تمثيليًا يستحق الدراسة في المعاهد الفنية.
ورغم هذا التنوّع والثراء، يظل غياب الدراما الدينية أمرًا لافتًا، خاصة أنها كانت تمثّل جزءًا أصيلًا من روح رمضان، بما تحمله من قيم وروحانيات تضفي على الشهر الكريم طابعًا مميزًا، يعكس عظمته ويعمّق أثره في النفوس






