مقالات

زلزال الجيوسياسة: هل يخطط الغرب لتفكيك دول المشرق العربي وإيران؟

 

بقلم: أحمد عادل

باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية

تتسارع دقات طبول الحرب في المنطقة وفق مخطط عملياتي يتجاوز مجرد “تغيير النظام” في طهران، ليمتد إلى “إعادة هندسة” شاملة للجغرافيا السياسية في الهلال الخصيب والخليج العربي. هذا السيناريو، الذي يبدأ بقطع “رأس النظام” وينتهي بتفتيت الجغرافيا، يضع المنطقة أمام حقبة من الفراغ الاستراتيجي لم تشهدها منذ مطلع القرن العشرين.

مراحل الانكسار: من “شلل القيادة” إلى “تفتيت الجغرافيا”

1. المرحلة الصفرية: شلل القيادة وقطع الأعصاب

تبدأ الخطة بضربة “جراحية مكثفة” تستهدف مراكز الثقل السياسي والعسكري في إيران. الهدف هنا ليس التدمير العسكري الشامل فحسب، بل إحداث حالة من الشلل الإدراكي؛ فحين يفقد النظام هيكله القيادي (المرشد، الحرس الثوري، ورئاسة الأركان) في ساعة واحدة، يتحول الدولة إلى جسد بلا عقل، مما يمهد لانتقال العمليات إلى “الأذرع” الإقليمية.

2. تفكيك “المحاور”: العراق كساحة تصفية

يمثل العراق الحلقة الأهم في المخطط؛ حيث يستهدف استنزاف قيادات الحشد الشعبي لمنع أي “رد فعل انتقامي” بالوكالة. هذا المسار يؤدي بالضرورة إلى تذويب الدولة العراقية وتحويلها إلى أقاليم متصارعة:

الجنوب: خضوعه للتيار الصدري كقوة منظمة وحيدة متبقية بعيداً عن صراعات النفوذ الإيراني.

الشمال: تعزيز الانفصال الكردي كأمر واقع.

الغرب: تحول غرب الفرات إلى منطقة نفوذ لميليشيات متعددة الولاءات، ما يعني نهاية “الدولة المركزية” في بغداد.

3. الثورة الموجهة: من القصف إلى السقوط

تنتقل الخطة من العمل العسكري المباشر إلى “الحرب الأهلية الموجهة”، عبر إسناد جوي أمريكي لثورة مسلحة في الداخل الإيراني، لتحويلها إلى “سوريا كبرى”. الغاية النهائية ليست الديمقراطية، بل جلب نظام “وكيل” يفكك الترسانة النووية والصاروخية، ويجرد إيران من مخالبها القومية لعقود قادمة.

التداعيات الاستراتيجية: مصر ودول الجوار في مهب العاصفة

إن انهيار المنظومة الأمنية في المشرق لن يكون “نصراً مجانياً” لأحد، بل سيخلق تحديات وجودية للدول العربية الكبرى، وعلى رأسها مصر:

أمن الملاحة وقناة السويس: اشتعال الخليج يعني اضطراباً عنيفاً في مضيق هرمز وباب المندب، مما يهدد إيرادات قناة السويس -شريان الاقتصاد المصري- بشكل مباشر.

انكشاف الشرق العربي: انهيار العراق يجعل حدود الأمن القومي العربي “مكشوفة” تماماً أمام التمدد الإسرائيلي، مما يضع عبء القيادة العسكرية منفردة على عاتق الجيش المصري.

مأزق دول الخليج: ستجد دول الخليج نفسها بين مطرقة الصواريخ التي تستهدف القواعد الأمريكية وسندان توقف صادرات الطاقة.

التفوق الإسرائيلي المطلق: بضياع قوة إيران وتفتت العراق، تصبح إسرائيل القوة العسكرية الوحيدة المهيمنة، القادرة على فرض تسويات سياسية مجحفة.

تقدير موقف: البدائل الاستراتيجية للدولة المصرية

أمام هذا الزلزال، لا تملك القاهرة رفاهية “الحياد”، بل يتطلب الموقف استراتيجية “التدخل الوقائي” عبر مسارات متوازية:

أولاً: تأمين الممرات الملاحية (التحدي الوجودي)

يجب تفعيل “قيادة الأسطول الجنوبي” بأقصى طاقة، والعمل على تنسيق أمني مباشر مع السعودية والأردن لضمان عدم امتداد الفوضى من باب المندب إلى القناة. كبديل، يمكن فتح قنوات اتصال خلفية مع القوى الفاعلة في اليمن والقرن الإفريقي لتحييد الممر الملاحي عن الصراع.

ثانياً: بناء “الكتلة العربية الصلبة”

تشكيل “محور استقرار” يضم (مصر، السعودية، الأردن) لمنع تمدد الفوضى نحو الحدود الغربية للأردن، كخط دفاع أول عن الأمن القومي. ولتعزيز هذا المحور، يجب رفع مستوى التعاون الاستخباراتي مع القوى الدولية الرافضة للمخطط (الصين وروسيا) لخلق توازن قوى يمنع الانفراد الإسرائيلي.

ثالثاً: التحول لـ “اقتصاد الحرب”

التحول الفوري لاستراتيجية تأمين المخزون السلعي والطاقي طويل الأمد، والبحث عن مسارات بديلة للتجارة. ويمكن تفعيل اتفاقيات المقايضة السلعية لتأمين الاحتياجات الأساسية بعيداً عن تذبذبات النظام المالي العالمي.

رابعاً: حماية “الدولة الوطنية”

التمسك الصارم بوحدة العراق وإيران ورفض التقسيم جملة وتفصيلاً، مع إعادة صياغة العقيدة الأمنية تجاه “شرق القناة” لتعزيز الردع، ليفهم كل طرف أن أي استغلال للفراغ للتقدم نحو المصالح المصرية سيقابل برد حاسم.

في النهاية

إن هذا السيناريو لا يستهدف نظماً بعينها، بل يستهدف “فكرة الدولة” في منطقتنا. لذا، فإن استراتيجية القاهرة يجب أن تنطلق من كون ما يحدث هو زلزال سيصل ارتداده للجميع، ما يتطلب تحركاً استباقياً يحمي الهوية الوطنية ويملأ فراغ القوة قبل أن تملأه الفوضى أو الأطماع الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى