مقالات

ليلةُ القدر… حين يفيضُ القدرُ رحمةً ويُشرق القلبُ يقينًا

 

كتبت : ام عبدالوهاب

شهرَ الجودِ والكرمِ، لا تَعجَلْ بالرحيلْ

ففيكَ نزلَ الفرقانُ نورًا ودليلْ

 

وفيكَ ليلةُ القدرِ، سرُّ السماءِ إذا دنا

تفيضُ عفوًا، وتزرعُ في القلوبِ سبيلْ

 

ليلةُ العتقِ والكرمِ، يا نفحةَ الرحمنِ فينا

اجعلينا ممّن أدركوكِ بقلبٍ أصيلْ

 

(وما أدراك ما ليلة القدر)…

بهذا الاستفهام المهيب يفتح القرآن باب الدهشة أمام القلب، ليُشعره أن ما سيأتي أعظم من أن تُحيط به الكلمات. إنّها ليست ليلةً عابرة في تقويم الزمن، بل نفحةٌ ربانية تُعيد تشكيل الروح، وتغسلها من أدران عامٍ كاملٍ من الغفلة والتقصير.

هي ليلة الصفاء والنقاء؛ ليلةٌ ، تسبق فيها الدمعةُ الكلمات. فيها يتضرّع العبد بين يدي خالقه، متمنّيًا الرحمة والمغفرة والعتق من النار،أبواب وتشعر كان السماء أقرب، وأن المسافة بين الدعاء والإجابة أضيق .

وقد وصفها الله تعالى بأنها ليلةٌ مباركة، لنزول القران الكريم فيها وفيها خيرٌ من ألف شهر… أي خيرٌ من عمرٍ مديدٍ يُقضى في الطاعة؛ فهي ليلةٌ تختصر الزمن، وتضاعف الأجر، وتفتح للعبد بابًا من الرحمة لا يُغلق حتى مطلع الفجر.

وفيها تتنزّل الملائكة والروح، كما أخبر الله تعالى، تنزل بأمر ربها، تؤمّن على دعاء الداعين، وتنشر في الأرض سلامًا ينساب في القلوب قبل أن يُحَسّ في الأجواء. سلامٌ يملأ النفس طمأنينة، ويزرع في الداخل يقينًا بأن الله قريبٌ مجيب.

 

وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ:

«إنَّ هذا الشَّهرَ قد حضرَكم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهر، من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كلَّه، ولا يُحرَمُ خيرَها إلا محرومٌ».

حديثٌ يحمل في طيّاته تحذيرًا رقيقًا: أن الغفلة عن هذه الليلة خسارةٌ لا تُعوّض، وأن الفوز بها ليس حظًا عابرًا، بل ثمرةُ اجتهادٍ وصدق نية.

وفي ليلة القدر يُقدَّر فيها من الأرزاق والآجال، وما يُكتب فيها من مقادير العباد؛ فيُفصل فيها كل أمرٍ حكيم. إنها لحظةُ اتصالٍ بين عالم الغيب وعالم الشهادة، بين تدبير السماء وحياة الأرض.

 

ومن حكمة الله تعالى أن أخفى موعدها في العشر الأواخر من شهر رمضان، لتكون حافزًا للاجتهاد والمثابرة، لا لليلةٍ واحدةٍ فحسب، بل لليالٍ متعددةٍ يتقلب فيها العبد بين الخوف والرجاء، وبين الرجاء واليقين. فيجتهد في نهارها كما يجتهد في ليلها، ويجعل من أيامها امتدادًا لروحها.

ليلة القدر ليست طقوسًا تُؤدّى فحسب، بل حالةُ انكسارٍ صادق، ووقفةُ محاسبةٍ عميقة. فيها يربح الصائمون المتعبدون، ويفوز العاكفون الساجدون، وينجو القائمون المخلصون. وفيها تُراجع القلوب حساباتها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتستدرك ما فات من تقصير.

 

إنها ليلةٌ إن أقبلت على العبد بقلبه، أقبلت عليه السماء برحمتها.

ها هي العشر الأواخر تُظلّنا بنفحاتها، تفتح لنا ذراعيها، كأنها تقول: ما زال في العمر متّسع، وما زال في القلب موضعٌ للنور. فلنغتنمها برجاءٍ صادق، واجتهادٍ متوازن، وخوفٍ يردع، وأملٍ يرفع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى