مقالات

هجرة الأدمغة والعقول العكسية الصينية من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لبكين

 

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى

الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف

 

شهد عام ٢٠٢٥ تسارعاً كبيراً فيما يُعرف بـ “هجرة الأدمغة العكسية” من الولايات المتحدة وإسرائيل بإتجاه الصين، والذى يعرف بـ Reverse Brain Drain ويغادر العلماء والباحثون الصينيون الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لأسباب تتقاطع فى جوانب جيوسياسية وأمنية عديدة، وتختلف في سياقها الميدانى، تتواكب هذه التطورات لهجرة العقول الصينية من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، مع تحول إستراتيجى حاد فى العلاقات “الصينية – الإسرائيلية – الأمريكية”، نتيجة الحرب فى غزة، وإنحياز إسرائيل المتزايد نحو تحالفات تقلق بكين، مثل: (تايوان وصوماليلاند). فبسبب التوترات والأحداث السياسية المتنامية بين الصين وإسرائيل، فقد أغلقت الصين فرع (جامعة الإقتصاد والتجارة الدولية) فى تل أبيب، المعروفة بإسم جامعة

UIBE

 

وفرعها فى منطقة “بيتح تكفا الإسرائيلية الواقعة فى شمال تل أبيب” بشكل نهائى فى سبتمبر ٢٠٢٤، والذى كانت تتفاخر به القيادات الإسرائيلية نفسها فى تل أبيب، بكونه أول فرع لجامعة صينية فى إسرائيل، بسبب تصاعد الصراع والأحداث السياسية والأمنية فى قطاع غزة والتوترات بين إسرائيل والصين. وهنا أرجعت إدارة (جامعة الإقتصاد والتجارة الدولية الصينية) فى تل أبيب، لقرار الإغلاق لفرعها رسمياً فى تل أبيب، إلى “صعوبات لوجستية” ناتجة عن حرب غزة، فضلاً عن العديد من الأسباب الأخرى، منها: عدم قدرة أعضاء هيئة التدريس الصينيين على السفر لإسرائيل. ورغم ذلك، فهناك ربط إستخباراتى صينى وإسرائيلى مشترك، بأن قرار الإغلاق لفرع الجامعة الصينية الوحيدة داخل تل أبيب، مرتبط بتوتر العلاقات الدبلوماسية وإنتقاد بكين الحاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة وتصاعد نهج وسياسات الإبادة الجماعية الإسرائيلية داخل قطاع غزة المحاصر.

 

ومن أجل ذلك، قامت السفارة الصينية فى إسرائيل بعمليات إجلاء واسعة لمواطنيها فى تل أبيب، ففى يونيو ٢٠٢٥، حثت السفارة الصينية مواطنيها على مغادرة إسرائيل فى أقرب وقت ممكن، عبر الحدود البرية مع الأردن ومصر، نتيجة تبادل الضربات العسكرية بين إسرائيل وإيران. كما تم إعطاء الأولوية لإجلاء الطلاب والباحثين الصينيين من تل أبيب، خاصةً بعد تعرض محيط مؤسسات بحثية كبرى مثل “معهد وايزمان الإسرائيلى للعلوم” لهجمات صاروخية إيرانية، مما أثار حالة من القلق الشديد فى الأوساط الأكاديمية الصينية. وقد غادر بالفعل نحو ١٦٠ طالباً صينياً من أصل ٢٦٠ طالب صينى كانوا يدرسون بالفعل فى إسرائيل حتى منتصف ٢٠٢٥. كما توترت العلاقات الأكاديمية بين الصين وإسرائيل لعدة أسباب مختفلة، فقد أشارت عدة تقارير إستخباراتية وعسكرية إسرائيلية فى أواخر عام ٢٠٢٥، إلى نية إسرائيل قطع بعض العلاقات الأكاديمية مع الصين، رداً على ما وصفته بتعاون صينى متزايد مع إيران. كما برزت حدة الخلافات العلنية بين الأكاديميين الصينيين والدبلوماسيين الإسرائيليين فى المحافل الدولية حول الوضع فى غزة.

 

كما تزايدت المحفزات الصينية والبحثية لأكاديميها وباحثيها فى سبيل عودتهم وإسترداد عقولها وأدمغتها المهاجرة من الغرب وواشنطن على وجه الخصوص، فقد ساهمت سياسات تقليص ميزانيات البحث العلمي فى واشنطن وزيادة الرقابة على العلماء من أصول صينية فى دفع العقول والأدمغة الصينية المهاجرة للعودة. وفى المقابل، أطلقت بكين تأشيرة “كى”

K

الجديدة، لجذب المواهب التقنية الشابة الصينية العائدة من الخارج، وربطهم بمشاريع قومية صينية، مثل “مشروع صنع فى الصين ٢٠٢٥”. فكان الأثر والنتيجة الفورية لذلك، هو إنضمام ما لا يقل عن ٨٥ عالماً بارزاً صينياً من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى مؤسسات بحثية صينية منذ بداية ٢٠٢٥، مما عزز قدرات الصين فى مجالات هامة وحساسة كالذكاء الإصطناعى وأشباه الموصلات، وغيرها.

 

فعلى الجانب الأمريكى، تشير التقارير الصينية نفسها إلى “هجرة أدمغة عكسية” من أمريكا إلى الصين نتيجة عدة عوامل، منها: المناخ السياسي العدائى الأمريكى تجاه الصينيين، فقد أدت “مبادرة الصين” التى أطلقتها وزارة العدل الأمريكية عام ٢٠١٨، لمكافحة التجسس الإقتصادى إلى خلق حالة من الخوف والشك لدى الأكاديميين والباحثين والعقول الصينية المهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شعر أكثر من ٧٠% من الباحثين الصينيين فى أمريكا بعدم الأمان الأكاديمى، هذا فضلاً غن زيادة حجم الملاحقة والترهيب والتضييق الأمنى والتحقيقات الأمريكية تجاه عدد كبير من الباحثين الصينيين داخل الأراضى الأمريكية، فقد تزايدت وتيرة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية مع العديد العلماء من أصل صينى، مما أدى لإلغاء منح بحثية وتضرر مسيرات مهنية، حتى بعد إلغاء المبادرة الصينية لوزارة العدل الأمريكية لملاحقة التجسس الصينى رسمياً داخل الولايات المتحدة فى عام ٢٠٢٢. بالإضافة إلى تنامى تشجيع الحكومة الصينية لمواطنيها وباحثيها وأكاديميها المغتربين والمهاجرين فى الولايات المتحدة الأمريكية بالعودة والدعوة الحكومية الرسمية لعودة “هجرة الأدمغة والعقول الصينية المهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب”، خاصةً بعد تخفيض ميزانيات البحث العلمى والأكاديمى فى جامعات أوروبا وأمريكا، بعد إقتراح الإدارات الأمريكية المتعاقبة تخفيضات فى تمويل الأبحاث الفيدرالية، مثل:

(NIH & NSF)

مما دفع العلماء الصينيين للعودة إلى حضن وطنهم الأم فى بكين للبحث عن بيئات أكثر دعماً لهم ولمسيرتهم البحثية والعالمية.

 

وعلى الجانب الصينى، فقد تزايدت عوامل الجذب الصينية لعلمائها المغتربين والمهاجرين فى الخارج، حيث قدمت بكين لهم العديد من الحوافز المغرية، والتى شملت مختبرات ومعامل أبحاث وتجارب ممولة بسخاء من قبل الحكومة الصينية وفقاً لتوجيهات شخصية من قبل الرئيس الصينى “شى جين بينغ” وقيادات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، فضلاً عن عروض الرواتب التنافسية الصينية لهم، وتقديم العديد من التسهيلات الحياتية والمعيشية الأخرى لهم للسكن وللإقامة، لتسهيل نقل الكفاءات الصينية فى الخارج إلى الداخل الصينى، وهو ما نجحت فيه بالفعل حكومة بكين وقياداتها.

 

أما على الجانب الإسرائيلى، فقد إختلفت أسباب مغادرة العلماء والباحثين والعقول الصينية من إسرائيل لعدة أسباب مختفلة، خاصةً بعد حرب غزة فى أكتوبر ٢٠٢٣، حيث إرتبطت هجرتهم بشكل أساسى بالأوضاع الأمنية المتدهورة هناك، بالإضافة بالطبع لأسباب تتعلق بالتوترات الأمنية والحروب، فقد حثت السفارة الصينية مواطنيها فى تل أبيب، (بمن فيهم العلماء والطلاب) على مغادرة إسرائيل فى أقرب وقت ممكن، بسبب تصاعد الصراع فى قطاع غزة والتوترات العسكرية مع لبنان وإيران.

 

وكانت المفاجأة الأكبر، هى إغلاق عدد من المؤسسات الأكاديمية الصينية داخل إسرائيل، وعلى رأسها إغلاق أول فرع لجامعة صينية فى تل أبيب، وهى جامعة

UIBE

الصينية، نتيجة تعثر سفر الأكاديميين والباحثين الصينية إليها، فضلاً عن توتر العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإسرائيل بسبب دعم الصين للفصائل والحركات الفلسطينية كحماس وفتح، وإستضافتهم رسمياً داخل العاصمة الصينية بكين لتقريب وجهات النظر بينهم وتوحيد صفوفهم، وهو ما أدى لشرخ كبير فى العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إسرائيل والصين، خاصةً بعد دعم إسرائيل لنظام الدفاع الجوى التايوانى الجديد متعدد الطبقات المسمى “تى – دوم” وربطه بنظام القبة الحديدية الإسرائيلى، وتنامى إستضافة تل أبيب للعديد من المسئولين التايوانيين، فضلاً عن الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية. وهو الأمر الذى أدى لإستفزاز الصين وأدى لتدهور علاقات إسرائيل بالصين فى نهاية المطاف.

 

كما تصاعدت هجرة الأدمغة والعقول الصينية من داخل إسرائيل، بسبب توتر العلاقات الدبلوماسية الصينية الإسرائيلية، حيث تشهد العلاقات الصينية الإسرائيلية فتوراً بسبب دعم الصين للمواقف الفلسطينية فى المحافل الدولية، وزيادة الشكوك الإسرائيلية تجاه التكنولوجيا الصينية، مما أثر على التعاون الأكاديمى والتقنى بين الطرفين. بالإضافة لمخاوف الأمن السيبرانى، فقد منعت الصين شركاتها المحلية من إستخدام برمجيات الأمن السيبراني الإسرائيلية والأمريكية، مما قلل من فرص التعاون المشترك فى المجالات التقنية الحساسة بين الطرفين.

 

كما حاولت الصين تقليص عدد باحثيها وأكاديميها داخل الجامعات ومراكز الفكر والأبحاث الإسرائيلية، بسبب العديد من المخاوف والتوترات بينهما، خاصةً بعد الإعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند (أرض الصومال الإنفصالى)، وذلك فى خطوة تاريخية كبيرة أغضبت الصين من إسرائيل فى ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥، وأصبحت إسرائيل بذلك بمثابة أول دولة عضو فى الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية صوماليلاند الإنفصالية كدولة سيادية. وهو الأمر الذى أدى لإستفزاز الصين وتصاعد التوترات بينهما بسبب العديد من الأبعاد الإستراتيجية الأخرى وراء هذا النهج والإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند، حيث تهدف إسرائيل من هذه الخطوة إلى تأمين موطئ قدم عند (مضيق باب المندب) لمواجهة تهديدات الحوثيين ومراقبة التحركات الإيرانية. كما أعلنت صوماليلاند عزمها الإنضمام إلى “إتفاقيات إبراهام”، وهو ما أثار تخوف الصينيين من خنقهم وضرب مصالح الصين وحلفائها ومبادرتها للحزام والطريق ومشاريع الطرق الحيوية المائية للصين عند خليج عدن ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، ومن هنا أثار الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند العديد من ردود الفعل الصينية، وإعتُبرت تحدياً للنفوذ الصينى المتنامى فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة.

 

كما أدى الدعم الإسرائيلى العسكرى لتايوان ونظام الدفاع الجوى التايوانى “تى – دوم” وربطه بنظام القبة الحديدية الإسرائيلى، غضب الصين المتنامى من تل أبيب، خاصةً بعد إعلان الرئيس التايوانى “لاى تشينغ-تى” فى أكتوبر ٢٠٢٥، عن بناء نظام دفاع جوى تايوانى متعدد الطبقات، أطلق عليه عسكرياً إسم (قبة تايوان)، مستوحى مباشرة من نظام “القبة الحديدية” الإسرائيلية.

 

فقد أدى هذا التعاون السرى الإسرائيلى التايوانى لغضب بكين، خاصةً مع إشارة العديد من التقارير الإستخباراتية والعسكرية الصينية إلى تعاون تقنى وثيق بين إسرائيل وتايوان، يشمل نقل تكنولوجيا الرادارات المتطورة، من إنتاج شركة “إيلتا” الإسرائيلية لدعم النظام التايوانى، وهى الشركة الإسرائيلية المعروفة إختصاراً بإسم

ELTA

 

حيث إعتبرت الصين هذا التعاون العسكرى بين تايوان وإسرائيل بمثابة تدخلاً سافراً فى شئونها الداخلية، خاصةً مع رصد زيارات سرية لمسؤولين عسكريين تايوانيين إلى إسرائيل لتنسيق ربط التقنيات الدفاعية، وهو ما دفع الجهات الحكومية الرسمية والدبلوماسية والإستخباراتية والأمنية والعسكرية والأكاديمية والتعليمية فى الصين، لإتخاذ إجراءات عملية وصارمة وتفعيل نهج صارم فى مواجهة هذا الإضرار الإسرائيلى السافر بمصالحها فى منطقة نفوذها الإقليمى المباشر عبر دعمها لتايوان، فضلاً عن هذا الإضرار الإسرائيلى السافر بمصالحها فى مبادرة الحزام والطريق الصينية، وإحداث إضطرابات إسرائيلية واسعة النطاق عبر الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند ودعم تايوان، والإضرار بمصالح الصين فى منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقى الحساسة بالنسبة للمصالح الصينية المتنامية هناك.

 

وبناءً عليه نفهم بأن الفترة الأخيرة قد شهدت مغادرة واسعة للباحثين والطلاب والأكاديميين الصينيين من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وذلك نتيجة تصاعد التوترات العسكرية والأمنية فى المنطقة، بالإضافة إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية والأكاديمية بين البلدين. الأمر الذى نتج عنه تزايد (هجرة الأدمغة المعاكسة للصين)، حيث بات الكثير من الباحثين الصينيين يفضل العودة إلى بلادهم أو الإنتقال إلى دول أخرى، مدفوعين بتوافر مختبرات متطورة وتمويل حكومى ضخم داخل الصين، مما يقلل من جاذبية البقاء فى مناطق النزاع حول العالم، وعلى رأسها إسرائيل، فضلاً عن إستهدافهم أمريكياً بشكل دائم عبر المراقبة والإستجواب الدائم أو عدم تجديد الإقامة أو الترحيل، بالإضافة للعديد من العوائق الأخرى فى مواجهة طلاب الصين وأكاديمييها وباحثيها فقط دون غيرهم هناك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى