مصر قيادة حكيمة وشعب عبقرى

بقلم/ ناصر السلاموني
حين نتأمل المشهد الدولي اليوم، ندرك أننا نعيش مرحلة مضطربة من تاريخ البشرية؛ مرحلة تتكاثر فيها التحالفات الغامضة، وتتبدل فيها الولاءات، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ بالقوة تارةً وبالضغط السياسي والاقتصادي تارةً أخرى. حروب تشتعل هنا، ودول تُفكك هناك، وقيادات تُستهدف، وأوطان تُستنزف في صراعات لا تنتهي. وكأن العالم قد عاد إلى منطق الغاب، حيث تُفرض الإرادة بالقوة ويُختبر صبر الشعوب على وقع الأزمات.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، تتباين مواقف الدول؛ فبعضها يلوذ بالصمت، وبعضها ينخرط في تحالفات تحكمها المصالح لا المبادئ، بينما دول أخرى تجد نفسها أسيرة تاريخٍ من التبعية السياسية أو الاقتصادية، فتفقد القدرة على اتخاذ قرار مستقل أو موقف حاسم.
وسط هذه التحديات، تقف مصر موقف الدولة العريقة التي تعي جيدًا طبيعة المرحلة، وتقرأ خيوطها المتشابكة بوعيٍ واستبصار. فمنذ عقود، ومصر تتحرك في محيطها العربي والإفريقي بروح المسؤولية، ساعيةً إلى احتواء الأزمات لا إشعالها، وإلى رأب الصدع لا تعميقه. ولعل دورها الدائم في دعم القضية الفلسطينية، ومحاولات جمع الفصائل على كلمة سواء، يعكس إيمانها بأن استقرار المنطقة يبدأ بالحفاظ على الحقوق المشروعة ومنع تصفية القضايا المصيرية.
كما أن تحركاتها المتواصلة للحفاظ على استقرار دول الجوار، وفي مقدمتها ليبيا والسودان، تنبع من إدراك عميق بأن الأمن القومي لا يتجزأ، وأن انهيار أي دولة شقيقة ينعكس مباشرة على محيطها. هذه السياسة ليست تدخلًا في شؤون الآخرين، بل مسؤولية تمليها الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.
أما على صعيد التحديات المائية، فقد ظل ملف إثيوبيا حاضرًا في المشهد، في ظل ما يرتبط به من قضايا تمس حياة المصريين وأمنهم المائي. وقد تعاملت الدولة المصرية مع هذا الملف بحكمة وصبر استراتيجي، مؤكدة أن الحقوق التاريخية لا تُفرَّط، وأن التفاوض هو السبيل الأمثل، دون التفريط في ثوابت الأمن القومي.
وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة تحولات وتحالفات متسارعة، من بينها التقارب بين إسرائيل وبعض القوى الآسيوية مثل الهند، فضلًا عن توترات إقليمية متجددة في أكثر من ساحة. غير أن قراءة هذه التحالفات لا ينبغي أن تُبنى على الانفعال، بل على فهم عميق لموازين القوى وحركة المصالح الدولية، فالعلاقات بين الدول تحكمها حسابات استراتيجية متغيرة، لا عواطف دائمة.
وهنا يبرز السؤال: هل تخضع مصر لمثل هذه الضغوط أو التحالفات؟
الإجابة يكتبها التاريخ قبل أن يعلنها الحاضر.
فمصر، التي عُرفت عبر العصور بأنها “مقبرة الغزاة”، لم تكن يومًا دولة سهلة الانكسار. من مواجهة العدوان الثلاثي إلى استعادة الأرض بالإرادة والسلاح، أثبتت أن قدرتها على الصمود لا تنبع فقط من قوة جيشها، بل من تماسك شعبها ووحدة صفها. لقد واجهت تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية جسامًا، لكنها خرجت منها أكثر صلابة؛ لأن جذورها ضاربة في عمق الحضارة، ولأن وعي شعبها هو خط الدفاع الأول قبل السلاح.
إن قوة مصر لا تكمن فقط في عتادها العسكري أو موقعها الجغرافي الفريد، بل في قدرتها على الموازنة بين الحزم والحكمة، وبين الدفاع عن الحقوق والسعي إلى السلام. فهي دولة تدرك أن الصراع ليس قدرًا محتومًا، وأن الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة، لكنها في الوقت ذاته لا تفرّط في سيادتها ولا تسمح بتهديد أمنها.
لا الماء يُرهبها، ولا الضغوط الاقتصادية تُخضعها، ولا التحالفات العابرة تُقلقها؛ لأن مصر ببساطة دولة صاحبة قرار، تعرف متى تتأنى ومتى تحسم، ومتى تمد يدها ومتى تُغلِّب منطق الردع.
لقد تعاقبت على هذه الأرض حضارات، وتبدلت موازين قوى، وسقطت إمبراطوريات، وبقيت مصر. بقيت لأنها ليست مجرد حدود جغرافية، بل فكرة أمة وإرادة شعب وعقيدة جيش.
ومن هنا، فإن كل من يراهن على إخضاع مصر يقرأ التاريخ قراءةً مبتورة، ويتجاهل أن هذا الوطن حين يُختبر يتوحد خلف قيادته، ويصوغ من التحدي فرصة، ومن الأزمة قوة، ومن الضغوط انطلاقة جديدة.
مصر كانت وستظل — بإذن الله — واحة استقرار في محيط مضطرب، وركيزة توازن في منطقة تموج بالصراعات، بفضل قيادة واعية حكيمة، وجيش قوي، وشعب عبقري يعرف قيمة وطنه.






